يكمن جوهر عملية الاعتقال في إنتزاع الاعتراف من السجين فكل ما يحدث بعد لحظة الاعتقال هو سلم تدريجي للوصول إلى هذه المرحلة، وليس هذا فقط بل أن تجعله يعترف بيقين أيضًا بالمُلفق له كأن فِعله حقيقةً، وربما يردد الإعتراف مرارًا وتكرارًا، وحتى يصل القائم على التحقيق إلى هذه النقطة تحديدًا فإنه يكون قد فعل بالمعتقل كل الأفاعيل وحقق عليه كل ما سولت له نفسه وأجرى عليه كل وسائل العذاب النفسي والجسدي فإذا ما فشل بطريقة انتقل للأُخرى! فيضطر لاستخدام طرق متنوعه وذلك حسب رؤيته وفهمه لنفسية المعتقل الذي أمامه وقدر تحمله.
أولًا: أسلوب الغماية.
يقوم هذا الأسلوب على تغمية المعتقل بقماشة سوداء لا تسمح بمرور الضوء لفترة طويلة فيفقد المعتقل الشعور بالوقت تمامًا ويحيا بوقته الداخلي الذي تمر الدقائق فيه كأنها ساعات!
تتوقف حينئذٍ كل الحواس عنده وتنشط حاسة السمع بدرجة كبيرة فيظل يسمع صرخات المعذبين وأنين المنهكين من حوله، ثم يتلقى الركلات والصفعات كل فترة، فيظل يفكر متى ستأتيني الركلة والصفعة القادمة، فيزيد توتره، ومع الوقت يشعر المسجون بالاختناق وصعوبة في التنفس وضيق في الصدر، وقد يستمر وضع “الغماية” على الرأس والوجه لأيام وأسابيع فإن لم يستطيع المعتقل تحريكها ليستطيع أن يرى ويتنفس سينهار، وحينها سيتقبل أي شيء يقوله المحقق كي يتخلص من هذا العذاب، لكن الصبر والاحتمال ومقاومة “الغماية” بمحاولة تحريكها، قد يساعده على التحمل.
ثانيًا: التشكيك.
أثناء هذا الأسلوب يستخدم المحقق حيلة نفسية تعتمد على معلومات موجهة أغلبها يبدو منطقيًا لكنها تُشكل مقدمات خاطئة لنتائج خاطئة بهدف تشكيك المعتقل في نفسه وفي عقيدته وفي قضيته ومنطقه، ثم يقوم بتعظيم قدراته وقدرات جهاز الأمن وأنهم هم الذين على حق لذلك ينتصرون، أما المعتقلون فلو كانوا على حق لانتصروا! فهم يظنون أنهم يستطيعون تغيير العالم لكنهم في الحقيقة لا يلحقون الأذى إلا بأنفسهم وأهليهم وذويهم ويضيعون مستقبلهم، ولا مبرر لكل هذه التضحيات التي لا تقدم ولا تؤخر فيظل في هذا الأسلوب وكلما وجد المحقق استجابة وإنصات من المعتقل، يزيد من خِداعه وألاعيبه اللفظية وأكاذيبه وحكاياته ليأخذ من السجين ما يريده فإذا ما فوجيء بصلابة المعتقل وعدم اكتراثه لكل هذا يقوم فورًا بالانتقال لطريقةٍ أكثر همجية وجنون.
ثالثًا: إحضار الأهل.
وهذه هي الوسيلة الأكثر حقارة وإجرام وهي أن يقوم بتهديده بإحضار أهله “زوجته، ابنته، أخته، أمه، خطيبته” وهي نقطة ضعف أي إنسان فما يُدعى بالضابط يستغل حساسية هذا الأمر ويهدد السجين بشرفه وعرضه كما حدث مثلًا مع “الشهيد المعتز بالله غانم” رحمات الله عليه تترا حينما هددوه بإحضار أخواته “فكانت هذه الطريقة تحديدًا هي ما دفعته للاعتراف بما وُجه له” فأمام هذه الطريقة يقف الشخص عاجزًا حائرًا ما بين إرادته وثباته ورفضه للتهم المنسوبة إليه إفتراءً وبين الخوف من تعرض أهله للأذى مما يضطره بدوافع فطرية أن يفضل حماية أهله ودفع أي أذى محتمل عنهم فيعترف قهرًا بالمنسوب إليه.
رابعًا: الإيهام بالقتل.
يعتمد هذا الأسلوب على الصعق بالكهرباء بشكل أساسي، بالإضافة إلى وسائل أخرى بشعة كإطفاء السجائر في جسده، ووضع أصابعه عند مفصل الباب الحديدي، أما عند صعق المعتقل بما يسمى “المنفلة”، وهي عبارة عن مولد كهربائي يخرج منه طرفان، فيقوم الضابط بوضع طرف في العضو الذكري للسجين والطرف الآخر في أحد أصابع قدمه، والمعتقل نائم على ظهره على الأرض عاريًا موثق اليدين من الخلف وموثق القدمين، ثم يقوم الضابط بإدارة ذراع في المولد فتتولد منه الكهرباء، وعلى قدر سرعة إدارة الذراع على قدر قوة الكهرباء المنبعثة منه، ثم يستريح ويطلب منه عدم الإنكار كي ينقذ حياته، فإذا أصر السجين على الإنكار، يزيد الضابط لهجة التهديد فيصرخ المحقق في وجه السجين كما يحكي المعتقل “خالد حربي” في إحدى مذكراته: “سأقتلك يا كلب، ستموت الآن”، ويبدأ الضابط بزيادة ڤولت الكهرباء ويهتز السجين اهتزازًا شديدًا ويشعر بضيق في التنفس وتصل الروح الحلقوم فينتفض جسده، ويستمر الضابط صارخا: “ستموت الآن، ستموت الآن، اعترف.. اعترف.. وارحم أولادك”.
فإذا استمر السجين في إنكاره، يتوقف الضابط كي يلتقط أنفاسه ويبدأ الجولة الثانية قائلًا: “كنا نريد أن نقتلك، لقد شاهدت الموت.. لن يمنعنا أحد من قتلك، بإمكاننا أن نقتلك الآن.. ستفقد حياتك.. وتخسر أولادك.. الآن تعترف أو تموت”، وتبدأ جولة الصعق الكهربائي مرة أخرى.
خامسًا: العدو والصديق.
يشعر الإنسان مع مرور الوقت في السجن باليأس وفقدان الأمل في الخروج منه فيسرع المحقق عندما يراه في تلك الحالة إلى استغلال حالة الضعف الذي يكون فيها الشخص موهمًا إياه بالأمل الذي هو في الحقيقة فخ للاعتراف “فتوزع الأدوار في هذا الأسلوب على اثنين من رجال التحقيق، يمثل الأول دور السفاح القاسي الذي يتلذذ بضرب المعتقل وتعذيبه، ويمثل الثاني دور الشخص الطيب الرقيق الذي فيه نزعة إنسانية بالغة، وتبدأ المسرحية بعد جولة من الإقناع والإغراء والتهديد، يمارسها رجال التحقيق مع المعتقل، فإذا فشل التحقيق في انتزاع أي معلومات.
يدخل المحقق الشرير فجأة متظاهرًا أنه دخل إلى غرفة التحقيق خصيصًا من أجل انتزاع اعتراف بأي شكل، ويسأل أحد المحققين الذي يمثل دور الطيب: هل اعترف؟ وهنا يجيب المحقق متظاهرًا بالخوف والضعف أمام المحقق الشرير بلا، فيرد الشرير بغضب: هذا بسببكم، أنتم تشفقون عليهم، أنتم تضيعون وقتنا، اخرج من هنا، وأمام صراخ الشرير يخرج المحقق الطيب متظاهرًا بالانكسار والضعف، وهنا يخلو الجو للشرير وتُغلق أمام المعتقل أبواب النجاة من التعذيب، فينهال عليه الشرير ضربًا وحشيًا متعمدًا ويصرخ المعتقل من شدة الألم، وفي هذه اللحظة يدخل المحقق الطيب متظاهرًا بالانفعال ومحاولاً تهدئة الشرير وتخليص المعتقل من بين يديه، فيخرج الآخر ويبقى الطيب الذي يقدم المساعدة، فيجلسه على الكرسي، ويقدم له كأس ماء، ويحضر له منشفة ويعرض عليه فنجان قهوة.
في تمثيل مسرحي بارع يلعب المحقق الجولة الأخيرة فيقول للمعتقل: “ارحم نفسك، يكفيك هذا العذاب، لو لم أخلصك من يدي هذا الضابط لقتلك، الأفضل لك أن تعترف”، فإذا أنكر السجين حاول المحقق استثارة شعور رد الجميل والعرفان فيقول له: “هل هذا جزاء المعروف؟ أنت تعرضني لموقف محرج أمام ذلك الوحش وأنا أنقذك”، ويستمر في هذه اللعبة، مستخدمًا الضغط النفسي والتخويف من عودة الشرير، وأمام إصرار المعتقل على الإنكار ينفتح الباب بعنف، ويطل الشرير برأسه صارخًا: “ألم يعترف بعد؟”، هنا يقول المحقق الطيب: “إنه يعترف، إنه يعترف، أعطنا مهلة خمس دقائق”، وتبدأ جولة جديدة من الضغوط، فإذا اعترف المعتقل، خلع المحقق الطيب قناعه وأظهر وحشيته العادية”، فجميعهم متشابهون.
سادسًا: الإيهام بالإفراج.
إذا طال صمود السجين وفشلت جميع الأساليب السابقة يلجأ الضابط إلى خديعة جديدة، وهي أن يستخدم الضابط سلاح الوهم حيث يوهم المعتقل أنه سيطلق سراحه مقابل أن يغير كل قناعاته، ولا يعارض الدولة ولا يشارك في أي نشاط آخر مدى الحياة، فيشعر المعتقل بالسعادة والراحة ويشتاق للدنيا ولأهله وذويه، وهنا يخبره المحقق أن ضابطًا آخر سيتولى قضيته وعليه أن يكون صادقًا معه، “وبعد دقائق معدودة يدخل محقق جديد ويبدأ بسؤال السجين عن صحته، وحياته الشخصية، وعن أبنائه، ووظيفته ودخله المادي، وبعد ذلك يقول الضابط: لقد قررنا إطلاق سراحك. ثم ينظر في الساعة ويقول: اليوم لا يوجد وقت لإطلاق سراحك، ولكن غدًا صباحًا سيفرجون عنك، ثم يخرج تاركًا السجين لأفكاره وأحلامه، ثم يدخل مرة أخرى ليلًا، ويقول له: هناك بعض المسائل أنت أخفيتها عنا، وهي الآن لا تضرك بشيء لأن قرار الإفراج عنك جاهز، وأرسلنا إلى إدارة السجن حتى يفرجوا عنك صباحًا. ويظل المحقق هكذا يراوغ المعتقل المسكين حتى يخرج منه بشيء، فيسجله عليه تهمة أخرى ويستمر الاعتقال”.
فعملية التحقيق ليست عملية تعذيب مادي لمجرد الأذى الجسدي، بل تهدف للإيلام النفسي وغسل العقل وتغيير القناعات وكسر الإرادة وتدمير روح الإنسان.
#كبسولات_نفسية
#جوار_حق_الأسرى_على_الأحرار
جميع الحقوق محفوظة © 2024 Civar Psikolojik Destek Sosyal Haklar Özgürlükler Yardımlaşma Ve Dayanışma Derneği